الحزبية السياسية والصفقة الخاسرة، قراءة تأمّليّة

الحزبية السياسية والصفقة الخاسرة، قراءة تأمّليّة

 

لا يخفى على بصير أن الحزب السياسي يعني حكومة؛ فتجد في الدول التي تزعم الديموقراطية أن الأحزاب تتعاور على مقاعد الحكومة، فهذا في السلطة، والمعارض في الظلِّ يُمارس حكما أيضا، والكل مُتعاون في خدمة البلد وتحقيق مصالحه ...

أمّا عندنا في مصر: فإن الأحزاب ليست كذلك، أحزاب هشّة لا تعتمد على أجندات عمليّة حقيقيّة ولا خبرات صادقة في حمل همّ الأمة وعلاج مشاكل البلاد التعليميّة والبحثيّة والتربوية والاجتماعيّة والاقتصادية والتجارية والزراعية والصناعية والسياسية والدينيّة والعسكرية والدولية والإقليميّة ... وغيرها.

إنما هي أبواق تتكلّم كثيرا، ولا تعملُ إلّا قليلا، ومن حالفهم الجدّ في تحقيق موعود نظري يُصادم بطائفة عظيمة من الصعوبات التي ربما لم يُفكّر فيها ...

فالفكر يسبقُ العمل، وبذا فإن من الرائق للحزبيين أن تكون تصوّراتهم دقيقة، وعندهم فرق عمل كاملة لها من الخبرة والحرفية والمهنيّة ما يُمكن أن نميّزهم عن غيرهم، وهذا كلّه في سياق ونسق الحزب ...

هذا ما يوجد عند غيرنا، أمّا نحن: فإنّ الحزب السلفي فكرة وقياما وانتشارا خلال أشهر!! أين الخبرات؟ لأننا لم نعمل شيئا للأمة، ومن هنا سيعتمد الحزب السلفي على طائفة، ويتحرّك من خلال طائفة، مُتخلّيا بذلك عن فكر الأمة والأخذ بيدها، وهذه خسارة كبيرة؛ لأن الحزب السلفي سيحرقُ رصيده الذي ربّاه قبل الحزب؛ لأنه في الحقيقة: (صورة كبيرة وضجيج كبير)، لكن لم يُقدّم شيئا للأمة، ولن يُقدّم!!!

نعم، الأمة في حاجة إلى بناء إيماني وتربوي، ولكن لن يكون ذلك إلّا بالدعوة والفتن والبلاء وتسليط المجرمين على الموحّدين، وعندها يكون النصر والتأييد، أمّا بهذه الصورة: فلا نزال في دائرة (الجماعة) لا (الأمة) ، إن التراخي والغرور الذي يولّده الحزب يقلبنا من (مُجاهدين) بالعلم والعمل والدعوة، إلى (مُستأنسين) بالحزب! رغبةً في حصد المصالح الموهومة، وحاشا وكلّا أن يكون هذا في دين محمّد – صلى الله عليه وسلم – ، الذي لا يرضى أن نبيع ديننا ونخسر ماضينا، أو أن يكون سيعُنا وراء رجال الأعمال ليحملوا التبعات المالية والإدارية (أحيانا) للحزب.

إن صفوفنا في الداخل تحتاج إلى إعادة صياغة وتنسيق وترتيب ليس إداريا ولا مصلحيا ولا هوائيا، وإنما تحتاج إلى صياغة إيمانيّة تربوية عالية، لكن أن يكون هذا حالنا من ضعف الجنود والأتباع!!

إن الاعتماد على كثرة العدد فقط وسعة الانتشار لمدعاة إلى سرعة السقوط!! وهذه سنة كونيّة، فغير القادر على بناء صفّه الداخلي عاجز عن بناء الأمة ونفعها، فلماذا نعيش الوهم ونسابق الأمل الخادع؟!!

إن إخوة يوسف – كذبا – لمّا أرادوا أن يُقنعوا أباهم بإخراج يوسف – عليه السلام – معهم؛ ليُنفّذوا كيدهم، قدّم لهم يعقوب ما به اتّكأوا عليه في كيدهم، وهو الخوف عليه من الذئب!! فكان ردّهم: "لئن أكله الذئبُ ونحن عصبة إنّا إذا لخاسرون" (يوسف: 14)، أي: "إذا كنا لا نقدر على دفع الذئب عن أخينا: فنحنُ أعجزُ أن ندفعه عن أغنامنا"، وقيل: "لخاسرون: لجاهلون بحقّه، وقيل: عاجزون، وعند الطبري: لَعَجَزة هالكون".

فكذلك: من يزعُمُ أنه سيفعل كذا وكذا من الآمال ليُغرر بها الناخبين، وهو في الداخل أعجزُ أن يفعل شيئا حقا، إنه عاجز هالك، فاعتبروا يا أولي الأبصار .. أما القول: (بأن هذا واجب المرحلة، وفقه الوقت يقتضي سرعة المُشاركة والتحزُّب، فهذه ضرورة، ونحن مُتعجّلون، والوقت ضيّق، ليس أمامنا وقت!! "التورتة" توشك الأكلة أن يتقاسموها فنريد حظّنا منها، وليكن ما يكن من قبول النصارى، وجواز بناء الكنائس، وعدم المُطالبة بالإفراج عن الأسيرات المُسلمات، وقبول الديموقراطية – زعما أننا سنُفرغ مضمونها من حقيقة الحكم لنجعله لله سبحانه!!! – وفتح الحزب لكل المصريين "هكذا!!!" ، وقبول قانون الأحزاب، واستضافة القُسُس في مؤتمرات الحزب، ومنع رفع شعارات مُقاطعة ساويرس في المؤتمرات الحزبية ....).

لماذا هذا كله؟!! (لأننا نخاف أن يُسيطر العلمانيون على البلد، ويضعوا دستورا يُضيّق الخناق على الدعوة والدعاة!!)، والجواب:

1)   أعطِ صوتك لمن هم أقدمُ من الحزبيين السلفيين في باب التنازلات والتدحرج الفكري، وهم جماعات الدعوة الإسلامية العاملة.

2)   هَبْ أن ذلك قد حدث، فما الضير؟!! قدرٌ كتبه الله، فلنصبر ولنحتسب، ولنستمرّ في حالنا قبل أحداث (يناير 2011م) حتى لو قُتِلْنا أو سُجنّا: ستهبُّ الأمة للدفاع عنا بفضل الله، وسنكون قادة الأمة الذين لم يتنازلوا عن دينهم أو دعوتهم!!!

وصفوة القول: مع ضيق الوقت – إلّا أن الوقت مُتَّسِعٌ ما دامت الروح تخفق في البدن – أقول لإخواني وأحبّتي من المشايخ سدّدهم الله إلى اليُسرى: ارجعوا عن هذا الطريق، والزموا طريق الدعوة، واجتمعوا على السعادة الأبديّة بالتزاحم في أمور الآخرة، لا التزاحم في أمور الدنيا، واعلموا أن الله سائلُكم – وكذلك الأجيال الصاعدة – ، فاتقوا الله واستعدُّوا بما يكون لائقا لكم ولجلالتكم ومكانتكم في قلبي وقلب كلِّ مُحبٍّ لكم من العلماء وطلبة العلم.

أَخَذَ الله – تعالى – بأيدينا إلى طريقه، وصلى الله وسلّم وبارك على النبي محمّد وعلى آله وصحبه وسلم.

تاريخ الاضافة:
طباعة