Warning: date() expects parameter 2 to be long, string given in /home/albasira/public_html/cms/function.php on line 12
« السلفية السياسية .. الواقع والمُستقبل »






 

السلفية السياسية .. الواقع والمُستقبل

أرباب الدعوة السلفية – حفظها الله وأبقاها وبالخير واليُمن بيّاها ومن الشر سلّمها ووقاها – يؤمنون بضرورة فهم الدين على طريقة السلف الأول، وأن شقاء البشرية مردُّهُ عزوفها عن منهج الأنبياء والصحابة والتابعين ومن تبعهم إلى مناهج الرأي والظن والهوى أو مناهج الضلال وأهل الغضب.

لقد باتَ جليّا أننا نوقن أن منهجنا السلفي هو القادر على حلِّ مشاكل المُجتمع وحياطة الدنيا بالدين وسياسة الناس بالشرع لنيل المقاصد وحفظ الغايات ..

ومن أجل ذلك صبر مشايخ الدعوة – حفظهم الله في كل أرجاء البلاد – على العنت والاضطهاد والسجن والتنكيل، حتى كانت العاقبة – مع كل هذه الضغوط – ذيوع هذا المنهج، حتى ما ترك قرية ولا مدينة ولا حيّا ولا شارعا وأحيانا ولا بيتا إلا دخل من نوره خيره – ولله الحمدُ والمنّة، وله الثناء الحسن والشكر الجميل – وصار الشباب يتهافت على سماع مشايخ الدعوة وحضور حلق العلم, والاجتهاد في نشر الدعوة وتعليم الناس الاعتقاد السلفي وما به تصح عبادتهم ومعاملاتهم, وانتشرت الدورات العلمية والدروس المنهجية, وصارت الدعوة تضم ملايين الخلق من سائر أطباق المجتمع, حتى القطاعات العسكرية والقانونية دخلها المنهج السلفي, لقد صار المنهج السلفي كالنور يتخلل جنبات المجتمع, وكالهواء يستنشقه كل أنف صحيح، هذا كله مع الضيق الأمني الشديد، ثم كانت الفضائيات الإسلامية فكان لها ما لها وعليها ما عليها!!

ما شاء الله لا قوة إلا بالله!! كانت العلاقات بين المشايخ – مع تباعد الأقطار –حسنة, بينهم المهاتفات, وكانت المناسبات مناسبات!! فرصة طيبة للتلاقي والالتقاء, وأحيانا البحث والمناقشة, وكانت الرحم العلمية قوية, وكان التناصح الدعوي ــ مع ضعفه أحيانا ــ قائما ولو بصورة, وكان هذا مفيدا في جمع الشباب حول منهج الدعوة السلفية, نعم, إن هذه الأعداد الغفيرة من شباب الدعوة السلفية ــ بارك الله فيهم ــ هم حصيلة الجهد الدعوي من مجموع المشايخ لا من شيخ معين, وكلهم اجتمعوا على حب المنهج وتفديته, هذا مع وجود مدارس في المنهج السلفي رحاها وقطب مدارها على أستاذها وشيخها, لكن كنا نربي تلاميذنا ــ هكذا في مدارسنا ــ على الاتباع والتحرر الفكري من قيود التقليد والتعصب وحب مشايخ الدعوة ونصرة المنهج والبذل للدعوة ورفعة الدين ونفع المسلمين .... الخ من المعاني الطيبة التي زراعناها في نفوس تلاميذنا وأحبتنا!!

ثم كانت أحداث (25 يناير 2011 مـ ) حيث قُلِبت الأمور رأسا على عقب, ذلك أنه بعد الأحداث بأقل من شهرين, شرع بعض الفضلاء في التصريح بإمكانية التفكير الجدي بإنشاء حزب سياسي سلفي، لكن صدر قانون الأحزاب الذي لا يمكن إقراره أو الدخول في بنوده, لأنه ينص على الديموقراطية ويقيد إنشاء الأحزاب إلا وفق منظومة علمانية بغيضة, وهنا كانت الوقفة "أنه لا يمكن الدخول في منهج المجرمين, بل لابد من استبانة الطريق وبيان الحق, وأن إعلام الناس بالمخططات الآثمة وعدم الدخول في ياسقهم ضرورة من ضرورات المنهج", لكن حدث مالم يُتَصور!!

لقد ذهب بعض المشايخ ــ سامحهم الله ــ إلى الدخول في هذا الياسق الحزبي, وأخذوا يقننون بالوهم العلمي هذا الدخول المزري بالأدلة الضعيفة تارة وبالأدلة الصحيحة التي أوّلُوها تارة أخرى, فوقعوا فيما وقع فيه أهل الغلط من الدَّوْرِ بين هذين الآتونين :

1.    دليل غير صحيح.

2.    دليل غير صريح.

فكان ذلك سببا في كثير من الاضطراب!! لقد خُدِع جماهيرُ من إخواننا وشباب دعوتنا الأحباء ــ وكلهم محب للدعوة ــ بالتقنين الوهمي للعمل السياسي السلفي, وظنوه ــ بسبب حسن الظن دون دراسة علمية أو مناقشة منهجية ــ من دين الله؛ لاسيما هذه الفزاعة التي رفعها إخواننا المشايخ "نريد مزاحمة العلمانين"!!

وتحت هذه الراية "مزاحمة العلمانين" تم تحويل الرصيد الدعوي السلفي كله تقريبا لصالح الدعوة السياسية الحزبية, وتم إيقاد أحزاب السلفيين بهذا الشباب الطاهر المُبارك المُعَظِم حقا للشرع المحب فعلا لأهل العلم؛ لكنهم بهذا التخويف صاروا أداة طَيِّعة في يد من يخطط لاغتيال الدعوة السلفية وضربها في سويدائها!! إنني أقولها وبصراحة: إن القوة الفعلية التي تخيف جبابرة الأرض هي الدعوة السلفية, وكان القرار: لابد من ضربها وإلغائها وحيدها عن سبيل المؤمنين!! لقد درسوا وأيقنوا أنهم لن يستطيعوا ذلك من الخارج, فلماذا لا نقوم بتأنيسها وترويضها بوضع اللجام في فمها وقودها إلى الهاوية!! كل هذا تحت مُسَمى "العمل السياسي الحزبي", فالالتزام السياسي الحزبي سيفرض نوعا من الفقه الضروري يواكب طبيعة المرحلة, هذا الفقه سيمسخ الدعوى ويجعلها أطلالا يقف عليها المحبون للبكاء والتذكر!! فقبول الديموقراطية لا بأس تحت زعم التفريق بين الآليات، والأصول والفلسفة، وهذا تفريق عجيب!!

وأحيانا القول بأننا نقبل الديموقراطية لأننا فرغناها من خصائصها!! كلام يُضَلُّ به عوام الشباب السلفي ــ أيده الله وأنار بصيرته ــ وبهذا الفقه المغلوط تغيرت فتاوانا إلى فتاوانا المستأنسة المُسيّسة بمشروعية دخول البرلمان, وبفقه المرحلة أجاز فقهاء المرحلة ــ سامحهم الله ــ ترشيح النساء لدخول البرلمان وأوهموا الناس بأنهم سيكونون في ذيل القائمة وأنهم سيزاحمون بالنسوة العلمانيين!! بل الأدهى والأمرُّ: قبول النصارى عبدة الصليب والقول بأنهم يقبلون الشريعة ويرضون بحكمها, وهذا قيد عجيب!!

إنه واقع الانفلات الدعوي باسم الدعوة، وتأسيس الحزبية باسم الدين, والويل والثبور لمن جهر بالحق, إنه مُخَذِّل! إنه يعمل في مربع الأعداء!! إنه لا يفهم القضية!!! ... لقد مُزِج الحزب بالدعوة, والدين بالتدين, والشرع بالرأي, والاجتهاد بالظن, لقد صار معيار الالتزام الحقيقي عند إخواننا ــ سامحهم الله ــ هو الالتزام الحزبي والعمل السياسي!! إن مناقشات الحزب وندواته يُعلن عنها وتكون في المساجد, وصار أمناء الحزب في طول البلاد وعرضها هم طلبة العلم الذين أسلموا مقاودهم لمن يقودهم دون فكر أو تفكر أو مناقشة أو بحث, إنه التقليد, لكن ليس هو التقليد المذهبي, إنما هو أشد وأعظم ضراوة, إنه التقليد الحزبي والالتزام السياسي باسم السلفية والدعوة السلفية منه براء ... إن هذا الواقع ينذر بمستقبل وخيم على الدعوة السلفية التي نحبها ونفدِّيها ونعمل باسمها وتحت لوائها, ونحن أحق بها من غيرنا ممن حَرَّف وزايد ...

إنني أدعو إخواني المشايخ ــ حفظهم الله ــ مَنْ تلوّثوا بهذا الإثم: أن يغسلوا أيديهم من هذا القذر الفكري وأن يلزموا طريق منهج الدعوة السلفية (التوحيد ـ الاتباع ـ التزكية) (العلم ـ العمل ـ الدعوة ـ الصبر ـ نفع المسلمين), كما أدعو أحبتي المشايخ ــ حفظهم الله ــ الذين لم يشاركوا في هذا الإثم أن يعلنوا كلمة الحق؛ ليعلم شباب دعوتنا ــ حفظهم الله وبارك الله فيهم ــ أن من مشايخهم من يلزم منهج الدعوة ولا يُصْرَفُ عنها, أدعو الجميع أن يغتنموا هذه الفرصة وألاّ يضيعوها, فالمجرمون ماضون في مخططهم, ولن يمكنونا من الأمر حتى نترك ديننا, وعندها يرضون عنا([1]), يجب علينا أن نلزم مواقعنا وأن نحافظ على ثغورنا وحصوننا, ومن أراد أن يزاحم العلمانيين فليزاحمهم وفق السنن الشرعية من تعليم الأمة، وجهادهم بالحجة والبرهان, ومن أراد أن يرفع سقف المزاحمة إلى البرلمان ــ وهذا من باب الإلزام والتنزل ــ فهناك الإخوان على هذا الثغر!!

إننا لم نصنع شيئا ولم نقدم شيئا, وها هي ذي مظاهراتنا لم تغير من الأمر شيئا, بل إن زخم الإجرام قد كشر عن أنيابه ورتب صفوفه ليعتد بباطله وانتفاشه, وليضرم النار في البلاد بأوراق هي جاهزة كورقة "الأقباط النصارى" أو ورقة "النوبة" أو غيرها من الأوراق, وقد تم ذلك بتجاربَ ثبت عجز السلفيين السياسيين عن فعل أي إيجابية في الاتجاه الصحيح، كما ألمحت في مقالتي السابقة الموسومة بـ "نصيحة ما قبل الطوفان", أين الأخوات الأسيرات في الأديرة والكنائس؟ أين وعد المجلس العسكري بالإفراج عن الأسيرات يوم (25/5/2011 مـ )وإلى اليوم لم يتم شئ!! بل قد سُجِن المدافعون عن الأسيرات حتى تاريخه!! وبدلا من جمع الشباب السلفي على المنهج وتعليم الدين جُمع الشباب على الحزب والعمل السياسي!

وأصبح الولاء والبراء الآن على الحزب, وصار المشايخ ــ سامحهم الله ــ يطوفون الآفاق لا للدعوة إلى الله لكن للدعوة إلى الحزب، فانقلبوا من دعاة إلى مُحَزَّبين مُحَزِّبين (بفتح الزاي المشددة وكسرها).... فاللهَ اللهَ يامشايخ السلفية السياسية، فلكم في القلب منزلة, ونظن فيكم من الخير والفضيلة الكثير الكثير, ووالله تراجعكم عن هذا اللعب والظن واللهو والتخوض في مال المسلمين لهو أليق بكم وبجلالتكم وفضيلتكم ومكانتكم التي هي في القلب عظيمة, والعود أحمد, وصلى الله وسلم وبارك على النبي الحبيب محمد, وعلى آله وصحبه وسلّم.

 



([1]) انظر مقالة:السلفية السياسية والتدحرج الفكري.

 



» تاريخ النشر:
» تاريخ الحفظ:
» موقع البصيرة تحت إشراف فضيلة الشيخ أحمد عبد الرحمن النقيب
.:: http://albasira.net ::.