السلفية السياسية والتدحرج الفكري

 

السلفية السياسية والتدحرج الفكري

أنفاسُ الروح تحتشد مُتزاحمة حول عبق منهجنا السلفي المُبارك: منهج الدعوة السلفية، وقد ذكرتُ في بعض مقالاتي ما آلَ إليه الأمر – سامحنا الله – إلى وجود ظاهرة "السلفية السياسيّة"، وهي: سلفية مؤسسة على أصول التقليد والعصبيّة الحزبيّة المقيتة، ولقد صارت هذه الحزبية السياسيّة السلفية جزءًا من إرثٍ منبتِ الصلة عن الدعوة السلفية المُباركة البعيدة عن الأهواء، المُحرّرة من الأغراض، العظيمة في ربّانيّتها، العميقة في فهمها، السامقة في أخلاقها وآدابها.

إن هذا النبتَ العجيب البعيد عن منهج الدعوة السلفية بدأ هذه الدحرجة بقبول قانون الأحزاب المُخالف للشريعة، ثم تدحرجَ ليقبل النصارى تحت قاعدة قبول الشريعة، مخالفةً لمنهجنا المؤسس على قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ..." الآية (والمرجو مراجعة تفسير ابن كثير للتأكد من صحة دعوى قبول النصارى تحت مظلة قبول الشريعة!!).

وتدحرجنا عندما يتكلّمُ القسُّ في مؤتمرنا بما ليس فيه إقرار للشريعة وتعظيمها، بل بما فيه العلمانية والمواطنة دون نكارة منا!!

وتدحرجنا عندما أجزنا المُظاهرات لاستعراض القوة، مُستدلّين بحديث حلف الفضول مع أنّ صحّته تحتاجُ إلى تأمُّل!! وبخبر صلح الحُديبيّة!! والاستدلال به من العجب بمكان!! ذلك أنه من باب النصّ لا الاجتهاد، فتأمّل ذلك عبد الله تسعد!!

ثم تدحرجنا عندما أعلنّا أن الحزب السلفي لكل المصريين (وهذه علمانية بغيضة فأين الدين يا عباد الله!!).

وتدحرجنا عندما سعدنا بالاتصالات الدولية على مقرّ حزبنا السلفي، وظننا أننا قوة وعليه: لابُدَّ أن نسير في هذا الاتجاه، وأن نقدِّمَ مزيدا من الدعم للحزب، وعليه: لا يجب أن نَدَعَ الحزب لغير المشايخ، فدخل المشايخ الحزب وحصل الخلطُ بين الحزب والدعوة.

وتدحرجنا عندما قبِلنا بدخول النساءِ الحزبَ!! وتدحرجنا عندما أجزنا خروج النساء للمُظاهرات!! وتدحرجنا عندما أجزنا للمرأة الترشّح لانتخابات البرلمان، وكانت تأويلاتُنا النابعة من فقه المرحلة (زعموا!!) هي في عينها تدحرجا فقهيا خطيرا، فما منعناه بالأمس أجزناهُ اليوم.

لقد كان الإخوان بالأمس – عندما أجازوا ترشيح المرأة – يستدلُّون علينا بالاستدلالات نفسها!! عجبا!! مُزاحمة العلمانيين!! تقليل المفاسد بارتكاب أدناها!!

يا تُرى: هل العلمانيون زمن مبارك كانوا أقلَّ سوءًا منهم هذه الأيام؟!! أتظنون أنهم سيتركون الإسلاميين ليصبغوا البلاد باسم الإسلام؟!! كلّا وألف كلّا، يُمكن هذا لكن ليس عن طريق البرلمان يا إخواني، إنما هو عن طريق تربية الأمة على الإسلام، وهذا هو سبيل المؤمنين، ومن صادم الأمة حينئذٍ في إرادتها جازَ لها أن تصكه صكا وتكفحه كفحا، وهذه صورة مُثلى للجهاد لتكون كلمة الله هي العُليا، وهذا له فقهه ومجالاته ...

إنه بمنهج الدحرجة السلفية الساسية ربما أجَزْنا للمرأة مُصافحة الأجانب عند الضرورة!! وأيضا الخلوة بهم للضرورة!! بل ربما أجَزْنا مُراقصة بعض الفُجّار ليقفوا على سماحة الإسلام وهذه ضرورة، وربما قُلْنا بحوار الأديان للضرورة، وأنتم تعرفون ماذا يُقصدُ بحوار الأديان (التقارب الديني لإيجاد قدر مُشترك بين الأديان، ومن ثمَّ تكوين دين توافقي لأهل الأديان!!!)، وربما  أجَزْنا تناوب السُّلْطة بين المسلمين والنصارى للضرورة!! وربما أجَزْنا رئاسة المرأة للبلاد للضرورة!!!! وهكذا ...

من هؤلاء؟!! أخشى أن نكون قد طلّقنا منهج الدعوة السلفية!! فارجعوا إخواني الأحبّة إلى عقولكم وإلى سالف علمكم وأدبكم، ارجعوا إلى مكانتكم فهي في قلوبنا محفورة، ارجعوا إلى المساجد: علِّموا، ودرِّسوا، ارجعوا إلى الأمة لتخدموها، ليس من أجل الصوت الانتخابي ولكن ابتغاء وجه الله، إيّاكم والخلط فإن أجيال المُستقبل لن تذكركم بخير إن فعلتم، بل ستتهمكم أنكم بدّلتُم وتركتم ما كنتم عليه، فعودوا يرحمكم الله، وأهلا بكم - عندئذ - في جنبات الدعوة السلفية الزّكية الطاهرة المُباركة، وصلى الله وسلّم وبارك على النبي الحبيب محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.

 

تاريخ الاضافة:
طباعة