الدين ، بين أهل الإسلام ورجال الكنيسة

 

 

لقد ازداد عجبي لضعف أهل الإسلام أئمة ومشايخ وعامة ، لدرجة أننا نراهم ينسحبون بعيدا عن دينهم ، ويرون أن تعاليم الدين في شئون الحياة تمثّل عقبة في تطوّرهم ورقيّهم ، ونجدهم – دوما – يحطون من الدين ، ويريدون فصل تعاليمه عن الحياة !! لقد انبرى من ادعوا نسبتهم إلى الإسلام ، انبرى هؤلاء ليطعنوا في ثوابت الإسلام تحت سِتار عَفِنٍ أسموه بالتنوير والتقدّم ومحاربة الرجعية والتخلّف والظلامية !!! هكذا !!

إنهم تحت هذا الزعم قاموا بحملة إرجاف واسعة طالت ثوابت الدين مثل : الربط بين الوحي المُنزّل من السماء ، والسحر والكهانة ورجم الشياطين – غير مناسبة الدين لهذا العصر وأن الشرع الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - يُمثِّلُ مرحلة تاريخية لا تُناسب إلا عصره فقط – ضرورة فصل الدين عن الحياة لإحداث التقدّم والنهضة كما فعلت أوروبا – الدين أكبر خطر على وطنية الشعوب ؛ فهو لا يُميّز إلا على أساس الدين ، وعليه فما ليس بمسلم فهو كافر ، وعندئذ تختلف الحقوق وتتنوع ، وعندها يحدث الاضطراب الاجتماعي !! – لم تعرف البشرية سيادة الدين المُجرّد إلا في عصر الأنبياء فقط ، وبالتالي فإن الصحابة (مثلا) لم يُظهِروا الدين ، بل كانوا أهل أهواء وأغراض – تعاليم الشرع ليست مُلزمة ؛ لأن الشرع - كما سلفت الإشارة - مرحلة تاريخية انقضت بوفاة النبي - صلى الله عليه وسلم – .

إن هذه الأقوال الكفرية يسمونها بالتنوير ومحاربة التطرّف وحريّة الفكر ، يسمون التجروء على الدين بذلك ، وتفرّع عن هذا مُحاربة كل ما هو شرعي يُذكرهم بسالف المسلمين ، فتجدهم يُحاربون النقاب والختان وولاية الرجل ويؤيدون حق المرأة في جسدها وعفّتها ودينها ؛ ليفتحوا الباب على مصراعيه لإباحة الإجهاض ، وتجريم الختان ، وسنِّ الرشد بــ ( 18 ) عاما  دون سند شرعي ؛ فحرّموا ما أحلّ الله من إباحة الزواج بين البالغين دون النظر إلى أعمارهم ، وأباحوا للمرأة في قوانينهم ما به تتأسّد على الرجل تحت عنوان " حقوق المرأة " !!!

إن فكرهم جملة هو " محاربة الإسلام " ، ولك أن تسألني : من هؤلاء ؟ أهم يهود أو ملاحدة أو مشركون أو صليبيون ؟ قلت : بل هم مسلمون ! ( هكذا ينتسبون ) ، لكنهم أشد خطرا على الإسلام من الكفار الأصليين ؛ لكرههم شرع الله وعدم تبنيهم للمنهج الإسلامي الراشد الضابط للحياة !!

إن كل ناعق ضد الإسلام يهرولون إليه ويلتزمونه ويشيرون إليه !! وإذا أردت أن تُعرَفَ عندهم ما عليك إلا أن تخلع ثوب دينك دون حياء أو هيبة ، وتحت مُسمّى حرية الفكر والاعتقاد تكلّم بما شئت كيف شئت !!

ويا للعجب !! في الوقت الذي يرمون به الملتزمين – بالإسلام منهج حياة وطوق نجاة – أنهم متعصِّبون جامدون لا يقبلون الآخر ولا يريدونه ، نجدهم يقعون فيما يتهمون به المسلمين ! ونجدهم لا يقبلون من الآخر الحق الذي شهد الله له وملائكته ، قال سبحانه : " لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا " ، إنهم لا يقبلونه ، بل يكفرون به ...

هؤلاء المُثقّفون من بني جلدتنا ، وللأسف اندرج تحت لوائهم جملة من أرباب المناصب الدينيّة والأغراض والأهواء الفاسدة !! تكاتفوا جميعا ووقفوا صفـّاً – كما وقف سحرة فرعون – لِكسرِ أهل الحق من أهل السنة ومشايخهم أرباب الاتجاه السلفي ، ولكن حسبهم أن صفهم غير مُؤيدٍ بالملك ، والله – سبحانه – غير ناظر إليه ، فهو صف الخزي والعار والخِسَّة والبوار ...

في المُقابل نجد رجال الكنيسة صفا واحدا وراء قيادة واحدة ، لهم تنظيم هرمي وظيفي وسيادي وسلطوي ، يُعاقب ويُكافئ ، هرم له أيدٍ تطالُ الشعب ، ولا أقول شعب مصر ؛ لأنهم شطروا البلاد شطرين : ( شعب مصر – شعب الكنيسة ) .

فالرعاية التعليميّة والطبية والمالية والنفرة السياسية ليس لشعب مصر وإنما هو لشعب الكنيسة ، إن الكنيسة في هذا الدور أقوى من الحكومة !! وما علمنا قطُّ أن الدولة ألقت القبض عليهم بتهمة التنظيم !! أبدا ( هذا للمسلمين فقط ) .

إن البابا أقوى عند شعبه من رئيس الجمهورية !! والبابا له قدرة على حشد ملايين الأقباط للضغط الفوري على الدولة ، وإلغاء أي قرار سيادي أو قضائي .

وهذا ما حدث عندما حكم القضاء بجواز الزواج الثاني للأقباط ، وعندها انتفض البابا واحتشد عشرات الآلاف من رجال وشعب الكنيسة !! وسترضخ الدولة صاغرة لمطالب الكنيسة ، ولقد قال الأنبا شنودة – في تعليقه على الحكم القضائي الذي يُخالف ما زعموا أنه نصُّ الإنجيل في حُرمة الزواج الثاني – قال : ( ليس على وجه الأرض قوى تجبره أن يُخالف تعاليم الإنجيل ) !! سبحان الله !!

فانظر إلى استمساك أهل الباطل بباطلهم ، وانظر وتأمّل في هَمَل أهل الدين والشرع الحنيف دينَهم وشَرعَهم ، لكن ليس كل باطل سيستمر ، وكل ظلام لا محالة ذاهب ، وكل كريه لا شك منتهٍ ، اللهَ أسألُ أن يُقيّض لأهل الحقِّ رجالا وأعوانا ، وأن يرزُقنا الصدق في القول والعمل ، وأن ينصر دينه ويُعِزَّ أولياءه ، وصلى الله وسلّم وبارك على النبي الحبيب محمد وعلى آله وصحبه وسلم .      

تاريخ الاضافة:
طباعة