انتصف رمضان ... وقفة للتأمل

انتصف رمضان ... وقفة للتأمل
--------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله >، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقد مر نصف الشهر الكريم، وسبحان الله كثير من الناس في غفلة عن هذا، وطالما كانوا ينتظرون إقباله، ويدعون الله ـ أن يبلغهم هذا الشهر الكريم، خشية أن يدركهم الأجل قبل بلوغه، وقد قال الله ﻷ :" وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا..." [المنافقون:11]، والحمد الله قد امتن الله علينا وبلغنا رمضان، ويالها من نعمة، فكم من رجلٍ صالحٍ قبض قبل أن يُبَلّغ هذا الشهر الكريم؛ ليزداد من الله قربًا، كما في الحديث الحسن لما ذكر لَهُ أَمر الرجلَيْن اللَّذين اسْتشْهد أَحدهمَا، وعاش الآخر بعده سنة، قَالَ فِي الَّذِي عَاشَ بعد صَاحبه: " أَلَيْسَ قد أدْرك رَمَضَان وصامه، وَصلى كَذَا وَكَذَا سَجْدَة " فَلَمَّا قَالُوا لَهُ: بلَى {قَالَ: " فَلَمَا بَينهمَا أبعد مِمَّا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض "} [سنن ابن ماجه: 3925 ]، وكم رجلٍ طالحٍ قبض قبل أن يُبَلَّغ هذا الشهر المبارك؛ ليستدرك ما فاته من عمره ويستعتب، وتناله رحمة الله ﻷ في هذا الشهر المبارك، كما في الحديث الصحيح أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ " [سنن ابن ماجه: 1642 ]، فها نحن قد بلَّغنا الله ﻷ رمضان؛ فهل شكرناه ـ على هذه النعمة العظيمة؟،أم أن دعاءنا طيلة العام "اللهم بلغنا رمضان" كان مجرد دعوى؟!
قال الله ﻷ: "اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ" [سبأ: 13]، فهذه الكلمات دعوة لتأمل أحوالنا بعد أن انقضى أكثر من نصف رمضان، ودعوة للاجتهاد فيما بقي منه، فلننظر هل شكرنا نعمة الله علينا، أم أن أحوالنا تحتاج إلى تأمل؟! خاصةً لو قورنت بأحوال سلفنا في رمضان.
ففي الصحيحين من حديث ابن عباس م قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ»، وفي حديث فاطمة لعن النبي >:" أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي".
لَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]" [لطائف المعارف: 259]، وقال:" وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم: يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره وقد صلى معه حذيفة ليلة في رمضان قال: فقرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فأذنه بالصلاة خرجه الإمام أحمد وخرجه النسائي وعنده أنه ما صلى إلا أربع ركعات، وكان عمر قد أمر أبي ابن كعب وتميما الداري أن يقوما بالناس في شهر رمضان فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة حتى كانوا يعتمدون على العصى من طول القيام وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر" [لطائف المعارف: 259، 260 ].
فهذا طَرَفٌ من هدي النبي > وأصحابه ن في رمضان، فكيف حالنا نحن من الجود والإنفاق؟ وكيف حالنا مع القرآن قراءةً ومُدارسةً؟ وكيف حالنا مع القيام طولًا وخشوعًا؟
أظن أن حال الجميع هو التقصير، ولكن الفرصة لاتزال قائمة في استدراك ما فات، كما قال أنس بن النضر تلما فاته أول مشهد مع رسول الله >:" لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ"، فتقدم ت لما انهزم المسلمون يوم أحد قائلًا:" اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ - يَعْنِي أَصْحَابَهُ - وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ، - يَعْنِي المُشْرِكِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ»، وقال :"الجَنَّةُ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ»، قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَم
ففي هذين الحديثين نتعرف على حال النبي > في رمضان، فله حال مع الناس وهو معاملتهم بالجود وليس مجرد الكرم فالجود أعلى مقامًا، وحال ٌمع ربه وهو مدارسة القرآن، وليس مجرد قراءة القرآن، فالمدارسة أعلى مقامًا، قال الشافعي: "أحب للرجل الزيادة في الجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله > ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم" [لطائف المعارف:258، 259]، وقال ابن رجب الحنبلي: "ودل الحديث أيضا على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك وعرض القرآن على من هو أحفظ له وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان... واستحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلا فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل:6] وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ
ايَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ.
ولنا أن نقول اللهم إنا نعتذر إليك من تقصيرنا فيما انقضى من رمضان، ولئن أحييتنا لتريَنَّ منا ما يرضيك عنا –إن شاء الله-، ولكن العبرة بالصدق فقد قال أنست:" كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: {مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 23] إِلَى آخِرِ الآيَةِ "، يقصد عمه أنس بن النضر ت.
نسأل الله أن يهدينا ويهدي بنا ويجعلنا سببًا لمن اهتدى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلامٌ على المرسلين، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا الأمين> وعلى آله وصحبه والغر الميامين ن أجمعين.
تاريخ الاضافة:
طباعة