1. الآثار السلبية للأحداث الجارية على ناشئة المسلمين.

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله

أما بعد

==========

يكادُ القلب يعتصر عندما يرى نابتة المسلمين -وهم عمر الأمةوشرفها ومستقبلها- في الماضي الزاهر، الواحد منهم بأمة من الرجال، ثم يرتد بصريلأرى نابتة مسلمي اليوم، وهم على ما هم عليه من الجهل والأمية الدينية والثقافية،والانحطاط السلوكي، وعدم الانضباط بضابط شرعي أو أخلاقي أو عرفي اجتماعي، عندماأُقلبُ طَرَفَيّ بين نابتة الأمس ونابتة اليوم، وأرى هذا الفارق يصيبني الهلع!! منللأمة يحمل مسئولياتها وشرفها؟ مَنْ للديار يحميها ويصون مقدراتها؟ مَنْ للأعادييدفعهم ويحمي العباد منهم؟ مَنْ لنابتة الغد يربيهم ويرعرعهم؟ مَنْ للدين يحملهوينصره وينشره؟ مَنْ؟ مَنْ؟ مَنْ؟

تعالَ معي أيها القارئ العزيز لتعيش شيئاً من الوقت مع نابتة الأمس ثم أعقبها بشيءمن الوقت مع نابتة اليوم!! في البخاري عن عبد الرحمن بن عوف قال: "بينما أناواقف في الصف يوم بدر، فنَظرتُ عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصارحديثة أسنانهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم! هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم! وماحاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أُخبرتُ أنه سب رسول الله، والذي نفسي بيده لو رأيتهلا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل!! وغمزني الآخر، فقال: لي مثله، فلما رأيتهقلت: هذا صاحبكما، فابتدراه بسيفيهما، فضرباه حتى قتلاه...الحديث".

فانظر هذه العزة، وتأمل هذا الموقف من هذين الغلامين، هذا الموقف الذي يدل علىتربية صادقة، وحس إسلامي رفيع، وغيرة على مقدرات الإسلام شديدة، ورغبة في الدفعوالدفاع عن الإسلام صادقة. ثم هذه المعاني إذا حاولت تحسسها في تضاعيف كتب التاريخوالتراجم ستجد ما تُسَود به الكتب الكثيرة، إنها حقاً ظاهرة!! ظاهرة صلاح الجيلالناشئ، هذا الجيل الذي سيكون مَعْنياًّ –بإذن الله وحده- بإنارة الطريق وحياطةالأمة وحمل المسئولية!! هذا الجيل الذي وَرِث عن آبائه الدين والتدين، والعلموالعمل، والظاهر وحسن الاجتهاد في إصلاح الباطن...

ثم انظر -عفواً- إلى نابتة اليوم، وهم أبناء المسلمين دون البلوغ؛ لترى ما هيأحوالهم؟ وكيف صار أمرهم؟ لا أنسى هذه القصة التي تمتد لأكثر من عشرين سنة، كنتعندها مشرفا داخلياً على مجموعة من طلبة كلية التربية، وتم توزيع عمل طلبة الكليةليدَرِّسُوا لمدة فصل دراسي لتلاميذ المرحلة الخامسة في إحدى المدارس الابتدائيةبالمنصورة، طلبتُ من طَلبتي (طلبة الكلية) أن يُجروا اختباراً للتلاميذ؛ لمعرفةقدراتهم، وإلى أي مدى كان تحصيلهم، وهذا عن طريق أن يكتب كل تلميذ موضوعاًتعبيرياً عاماً في صفحةٍ واحدةٍ، ومر الوقت ثقيلاً، وكتب الأولاد، وأخذت الأوراقإلى مكتبي بالكلية (ولا تزال عندي للآن)، ودَرَسْتُها، ووقعت على مدى الضعفالعلمي، واللغوي، والذوقي، والأخلاقي الذي وصل إليه التلاميذ، فهم يكتبون عنالبرشام، والسيف والعراك، والبشلة، والطريف أن ورقة كانت تحكي ما يراه التلميذ من(شًمِّ الصراصير)!! وظننت آنذاك أن هؤلاء السفلة يحرقون الصراصير ليشموها، ولمتتضح المعلومة أنها نوع من البرشام المؤثر على العقل إلا بعد سنوات!!

قلت في نفسي: هؤلاء الغلمان والفتيات، الذين هم نابتة المسلمين اليوم، ما الذيأوصلهم إلى هذا الدرك السفلي؟ أهي الأسرة؟ أم المدرسة؟ أم المجتمع؟ أهي الأسرةبأفرادها وعلاقاتها وأنماط معيشتها؟ بتدينها وعلمها وترابطها ورساليتها؟ أم هيالمدرسة بهيئتها وأنظمتها ومناهجها وطرق تدريسها؟ بمبانيها وتجهيزاتها، بسلوكياتهاوأخلاقها؟ أم المجتمع بدينه وتدينه، وترابطه وتماسكه بقيمه ومبادئه؟ بإنتاجهوتقدمه؟ بعلمه وتفوقه؟ بأنظمته وأعرافه وتميزه؟ أم إن الإنسان نتاج هذا كله؟ ومتأثرٌبهذا كله؟ ومنفعلٌ بهذا كله؟

الحقيقة أن النشأ منفعلٌ بهذا كله في الدرجة الأولى، وبما هو دونه في الدرجةالثانية، وبما هو أجزاءٌ منه في الدرجة الثالثة، وهنا تأتي الخطورة!! إن ناشئةاليوم قد فقدوا كل هذه المؤسسات التربوية (الأسرة-المدرسة-المجتمع)، بل صار كلواحد من هؤلاء يمارس دوراً خطيراً في هدم بنيان هذه الناشئة عن طريق: تأطيرها، أوتمييعها، أو طمس هويتها، وهذا الثالوث هو أخطر ما تواجهه ناشئة اليوم، وهو التحديالحقيقي للدعاة، وللمربيين، ولطالبي مجد الأمة والمحافظة على هويتها واستشراف ماهو أسَدّ وأغنى لهذه الأمة الواعدة في مستقبلها.

الخطر الأول: تأطير الناشئة، وهو أن نجعل الناشئ في إطارٍ واحدٍ جامدٍ لا يتعداهُ،وهذا الإطار الحديدي لا يستند إلى دليلٍ شرعيٍ معتبر، أو فهم سلف صالح مُسَدّد،وإنما هي محاولات ضرب الجهل والتعصب والتقليد، فالناشئ قد يتأثر بالخطاب العلمانيالخبيث، فيحكم على الإسلاميين بالكذب والنفاق وطلب السلطة والتحالف مع الشيطان منأجل الوصول للأغراض، يحكم عليهم –بمقتضى هذا الخطاب الخبيث المغرض- بأنهم إرهابيونسفاحون دمويون!! وتكون النتيجة: الرفض التام لكل ما هو ديني، البغض التام لكلمتدين، المشاركات غير المسئولة في محاربة التدين والمتدينين!!

وفي الاتجاه الآخر، نجد ناشئة الفكر الديمقراطي المتأسلم، يرى المشايخ والدعاة وقدتكلموا في مشروعية الديمقراطية، وأنها خدمة للإسلام، وأننا نريد الدنيا لله، وأننانريد الحكم لنحافظ على الهوية الإسلامية لمصر ضد العلمانيين وغيرهم، وأنديمقراطيتنا لها مرجعية شرعية إسلامية، وأن الموت في سبيل ذلك أو حتى الموت للوصوللذلك أو المحافظة على ذلك: شهادةٌ في سبيل الله!! وأن مخالفينا في ذلك إما جُهّالأو أعداء!! يتربى الناشئة على ذلك!! فيخلط بين الدين والتدين، ويخلط بين الهوىونصرة الدين، ويخلط بين البدعة والمصلحة، ويخلط بين المفاهيم!! ولكنه في الإطار لايتعداه، ولا يفكر لحظة أن يتخطاه!!

إن تأطير الناشئة هو الوقود الفعلي لفتن اليوم والمستقبل؛ لأن هذه الناشئة كماتربوا على هذا فإنهم عندما يكبرون سيربون غيرهم على ذلك أيضاً، وهكذا تتخبط الأمةفي ظلمات الجهل والتعصب والتقليد، فيشتد تدابرها، ويتعمق شقاقها، وتكون لقمة سائغةفي أفواه الضباع العفنة!! ستتحول الأمة من التقليد والتعصب المذهبي الفقهي –كماكان قديما- إلى التقليد والتعصب الحزبي والفكري والشخصي!! وهنا يتبدد شمل الأمة ويكونأمرها فُرُطا، عندها يتجرّأ الأعادي، ويجتمع على هذه الأمة المهذولة التي نُكبتبأبنائها –يجتمع عليها القاصي والداني-!!

الخطر الثاني: تمييع الناشئة، وهذا الخطر لا يقل عن الأول، بل هو مساوٍ له أوأشَدّ، إن المسلم الذي تستوي عنده الأمور، فلا ظلمة ولا نور، ولا علم ولا جهل، ولاحق ولا باطل، ولا كبير ولا صغير، ولا إمام ولا مأموم!! إن هذا الناشئ الذي تردىإلى هذه الوهدة لهو بالميت أشبه، إنه لا جدوى فيه ولا رجاء!! ولا نفع فيه، بل هوالبلاء!! هذا الناشئ الذي لا يعبأ بمشاكل واقعه، ولا يريد تحمُّلَ إرْثِ قومه وأمته:لَهُوَ النخب الهواء،والمرض الأكيد الذي يضرُّ بأحشاء الأمة وجسدها، ويعوق دونتقدمها ورقيها، ويكون حاجزاً بينها وبين القوة والمستقبل المنشود!!

الخطر الثالث: طمس هُوية الناشئة، لابد أن تكون الناشئة على طريق أسلافها، تكويناًوتربيةً، إعداداً وإيجاداً، آمالاً وآلاماً، تأثيراً ودافعية، واقعية وجدية، أماإذا انفصلت الناشئة عن أسلافها تديناً وتربيةً وعُرفاً وأخلاقاً ونظماً وطرائقَحياة، بل تنقلب هذه الناشئة إلى حِفنة ممن لا يعرفون ديناً أو أمةً أو شرفاً أوأمانةً أو قِيماً أو مُثُلاً!! لَهُو أمر مُؤْذِنٌ بهلاكٍ مبينٍ ونكْبةٍمُدْقِعة!! نعم، من يعيش لهواه، ويعيش لمن يدفع له أكثر، أو يعيش من غير هدف، إنماهي أيامه ودقائق عمره يمضيها كيفما يحلو له ويحب!! إن ناشئة قد انفصلوا عن ماهيتهموكنه وجودهم؛ لمهيج أعداء الأمة ليسرعوا إليها مشرعين رماحهم ثاقفين سهامهم،صاقلين سيوفهم؛ لينزلوا بالأمة البأس ويثخنوها بالجراح!!

إن ما نراه هذه الأيام من شبيبة المسلمين من أفعال وأقوال، لا يمكن فصله عن هذاالثالوث أبداً، بل أقول: إن شباب اليوم كانوا بالأمس القريب ناشئة، وقد درجوا علىهذا الثالوث أيضا!! فماذا كانت النتيجة؟!! كان واقعا زاعقا!! تأمل إلى هذه الأحزابالشبابية والتمردية والنرجسية والفتح صدرية، تجد العجب العجاب والزبد العُباب!!والكل يأخذ بزمام الواقع بعيداً عن الجادة، مجتنبا الجادة غير مهتد إلى الجادة،وهذه الوضعية المُحْدَثة لناشئة المسلمين ستكون لها تبعات وعواقب ربما لا نراهانحن، بل سيدركها الجيل الناشئ معهم ممن وفقه الله واصطفاه، وكان في الحقيقة عابداًلمولاه، معظما لمن أرسله ربه واجتباه - صلى الله عليه وسلم - ، وعندها ستكونالمحاككة والمنازعة الفكرية والمنهجية والأخلاقية والدينية في المستقبل، لا أقولبين ناشئة اليوم ولكن بين رجال الغد!!

إن هذه الوضعية المتصورة لواقع مستقبل مصرنا الحبيب، يجعلنا نمعن النظر وننعمه،محاولين الوصول إلى برنامج إنقاذ تربوي ومنهجي عملي فوري يتعاون المخلصون علىتحقيقه، بدلا من توزيع الشتائم وخطابات التضليل، ومحاولة اتباع سياسات الخندقة، أوتلمس العثار وتتبع الزلات والعورات، وفضح الناس بدلاً من نصيحتهم، وصبّ العذاب ليسعلى أعادي الملة والأمة، وإنما على أهل الفضل ممن ربما عثروا في فهمهم، أو تطبيقهمتأولاً، أو جهلاً، أو خطأً، ظانين بذلك نصرة الدين وإقامة دعائمه، لكن هيهات ثمهيهات ثم هيهات!! والعاقبة لمن علم واقتدى، وتسنن واهتدى، وعمل وهَدَى، وصبرواتقى، واجتنب الفتن والتحزب والغوى، وحاذر القيل والقال والهوى، وسلم الناس مالاًوعرضاً ودماً، وتهيأ للموت والدفن تحت الثرى!! وصلى الله وسلم وبارك على النبيالأمين الحبيب محمد وعلى آله وصحبه وأزواجه وأتباعه وسلم تسليما كثيرا.

 

تاريخ الاضافة:
طباعة